فكرت يوما أن أقف في مكان عال يشرف على معظم الأماكن في قريتي علني اصل إلى إجابة ذلك السؤال الذي حار كثيرا في خاطري.
أردت أن أرى الناس من خلال منظار واحد صغيرهم وكبيرهم، فعلى قمة أحد الجبال المطلة على القرية وضعت راحلتي وأصلحت لي مكانا يساعدني على الاطلاع دون عناء. وأخذت أيمم شطري يمنة ويسرة في المكان، وكان أن اندمجت أفكاري وتجمعت من خلال ذلك الخيط الرفيع الذي يجمع الناس تارة ويبعدهم تارة أخرى، وأخذت أدقق نظري محاولة مني في فهم كل صغيرة وكبيرة يصل إليها امتداد نظر العين.
وكان لي ما أردت بل خرج الحساب عن يدي ورأيت من خلال فهمي القاصر أشياء وأشياء ملكت علي عقلي وخواطري.
رأيت الناس بين غادٍ ورائح، كل يبحث عن رزقه حسب طريقته وأسلوبه، رأيت الفلاح في مزرعته يسهل كل صعب في سبيل أن يحسن من إنتاجها وجمالها فذاك يرفع فأسه ليغرسها في الأرض، وهذا يعالج برسيمه بمحشه، والآخر يتلوى في نخلته غير عابئ بميلانها وثراجحها، وتلك امرأة تلفعت ببعض ردائها تساعد زوجها في كل ما خف عمله، رأيتهم يعملون بجد وإخلاص لا يشغلهم عن ذلك شاغل، ولا يوقف طريقهم عارض من عوارض ذلك العمل، وسرت همهماتهم في خاطري [لقد تخيلت ذلك] فتمنيت لو ألهمت ما يدور في خواطرهم، وكان لعجزي أن انتقلت بناظري إلى نوع آخر من الناس ليقع على أولئك الشباب الذين احتدم الأمر بينهم وتطاير التراب من فوق رؤوسهم في سبيل السيطرة على تلك الكرة المنقولة بين أقدامهم، هنا تحول ناظري وبسرعة لمرور سيارة في الشارع القريب من مكاني لتختفي بين أشجار النخيل الموازية لامتداد ذلك الطريق.
وكان لابد أن أبحث عن شيء أراه قبل يأتي المساء فيحول بيني وبين الرؤية، هنا وجدت نفسي أندمج مع أولئك الأطفال والبراءة تحوم فوق رؤوسهم كاسرين حواجز البعد التي ستفرقهم في المستقبل، وكأني بهم قد أحسوا بذلك الأمر فأراهم أحيانا وقد اتخذ كل جانب منهم مسارا آخر في مجال لعبه ولهوه، وبدأت الشمس في المغيب لتعلن عودة الناس قبل حلول الظلام إلى حيث منازلهم، وكأنما اتفقوا على ذلك بعد أن اختلفوا كثيرا خلال رحلة النهار القريب.
وفي لحظة وجدت نظري ينصب على ذلك الجانب الآخر من الناس الذين يرقدون تحت أعماق الأرض رقدة طويلة لا يعلم مداها إلا الله، أولئك الرقود الهامدون كانوا بالأمس مثالاً للعمل والجد والمثابرة، لقد عاشوا كما عشنا وعمروا هذه البلاد كما نراها الآن، نشهد لهم بذلك كل صباح ومساء ولكن؟ يا إلهي مالي أرى الناس يمرون بهم مرور المتناسي فلا وقفة ولا سلاماً ولا حديثاً ولا دعاء. لقد شغلتهم دنياهم عن أجدادهم وآبائهم وإخوانهم الذين كانوا بالأمس نعم المجلس والمسامر.
لقد غطت الدنيا بهمومها ومشاكلها على إدراكهم كادحين في دنياهم لاهثين وراءها وكأن لم يدر في خلدهم أن نهايتهم آتية لا محالة وأن مصيرهم سيكون كمصير أولئك الصامتين.
هنا رفعت يدي إلى السماء داعياً للموتى بالرحمة والغفران ولنفسي ولجميع الأحياء بحياة سعيدة وعمل صالح ينفعنا يوم لا ينفع إلا ما قدم الإنسان لنفسه من خير في هذه الدنيا.