|
![]() |
||||||||||||||
|
|
#1 (permalink) | |||
|
كان أول لقاء لي بالتلفزيون في بيت " أبو سعد " فهو من القلائل الذين كانوا يملكون جهاز تلفزيون أيام الأبيض والأسود .. و " أبو سعد " درس الصياعة في لبنان حيث طوَّحت به الريح إلى هناك ، فكان خيَّالا في أحد مراكز الخيل . كان وجودنا عليه ثقيلا ، فهو يعلم أنني وصاحبي لم نأت لنرى صورة وجهه ، ومن حسن الحظ أننا وافيناه والتلفزيون شغال ، وإلا لتعلل بعطله حتى لا يتحول بيته إلى مقهى . كان المسلسل المعروض من النوع الفلاَّحي وعمدة الكفر " قرعاوي " هو الكل في الكل ، وشيخ الغفر " نبهاوي " عن يمينه ، والغفر يحيطون به من كل جانب . العمدة طامع في رزق الغلابا ، والفلاَّح " عليوة " واقف في زوره ، فهو الوحيد الذي يقول : ما يصحش كدا يا عمدة ! ولكي تخلو الساحة للعمدة كان لا بد من إخراس صوت " عليوة " ! العمدة يستدعي الغفير " مغاوري " أمرك يا عمدة ! إسمع يا مغاوري أنا عايزك تخلص على عِليوَه الليلة دي بس كدا يا عمدة .. دنا ح خلَّص عليه خالص ! إوعه حد يشوفك يا مغاوري ! ما توصيش غفير يا عمدة ! عِليوَه ( المدافع عن حقوق الغلابا ) في تلك الليلة يسهر على رعاية بستانه ولا يسمع غير نقيق الضفادع وخرير الماء ، ومن بين الشجر الكثيف في الليل البهيم تنطلق رصاصة مغاوري لتستقر في قلب عليوه .. يسقط عليوه قتيلا ويعود مغاوري يزف البشرى إلى العمدة ! أتلته ؟ أيْوَه أتلته يا عمدة ! خليه يغور في ستين داهية ! زوجة عليوة تأتي في الصباح الباكر فتصرخ : آآآآه .. يا مصيبتي .. عملوها أولاد الحرام ! يأتي مأمور المركز لمعاينة الجريمة ويأتي العمدة والغفر . العمدة يتوعد المجرم وأنه ح يطلعه من تحت طقآطيق الأرض . في المركز فتح المأمور ملف التحقيق ، بينما العمدة في مقدمة مشيعي جثمان عليوة ليقذفه في الحفرة التي فتحها له في بطن الأرض . وهنا إنتهت الحلقة ! عدت أنا وصاحبي والمشهد لا يزال عالقا في ذهني ، فنمت تلك الليلة ، وحلمت أنني ذهبت إلى مأمور المركز فأخبرته بأن العمدة هو الذي قتل عليوة . بتقول إيه يا واد ؟ .. العمدة مش ممكن يعملها .. دا راجل قلبه على الكَفر وأهل الكفر ! دي الحقيقة يا حضرة المأمور ! قام المأمور لطشني حتة قلم حمَّر وشِّي ! هوه اللي بيقول الحقيقة تضربوه يا بيه ؟! صدقني يا بيه ، دنا سمعت العمدة وهوه بيقول لمغاوري أنا عايزك تخلص على عليوه ، قام مغاوري أخذ البندقية وقتل عليوه . إمتى حصل دا يا عبيط ؟ إمبارح في التلفزيون يا بيه ! قام المأمور إداني قلم تاني صحاني من النوم ! صحيت من النوم زعلان .. الحمد لله أني مش في كفر العمدة . لم أشاهد بقية الحلقات ، والذي يظهر لي أن مأمور المركز والنيابة والمحكمة في جيب العمدة ، لكن في عالم التمثيل لا بد وأن يأخذ المجرم جزاءه في آخر لحظة من المسلسل ، بعد أن يكون قد عاث في الأرض فسادا وانتهت صلاحيته . لم أدرك بعد ما تحويه تلك الشاشة الصغيرة وسيظل الأمر " سري للغاية " إلى أن يأتي اليوم الذي أملك فيه جهاز تلفزيون " بلا حدود ". في خريف عام 1916م ( هذا التاريخ نكاية في بهية ) عقدت قراني على " بهية " ولم يكن من شروط صحة العقد أن يكون لدي جهاز تلفزيون .. كنت أريد أن تكون " بهية " هيَّه محطتي " الإخبارية ".. بهية قادرة على أن تكون كذلك .. وصوتها يذكرني ب " جميل عازر ". وفي بيت متواضع عشت أنا وبهية كزوجي بط . كل واحد يبطبط للثاني .. وبعد حين طفشت بهية وطفشت أنا من كثر البطبطة ، فكان لا بد من وضع حد لهذه البطبطة خصوصا وأن كل واحد منا أخذ يسير في " الإتجاه المعاكس ". و" بالعربي " التلفزيون هو الحل ! شعار من لا شعور له ! وفي " زيارة خاصة " إلى حماتي أكدت لي بأن التلفزيون هو سلوتها في خلوتها وهي تعاني من الضغط والسكري والروماتيزم ، وبتوصية منها ذهبت لأحد المحلات وانتقيت ما يوصلني أنا وبهية بذيل العالم : تلفزيون ملون بمرتب شهرين متتابعين والصناعة يابانية . كانت فرحة بهية بالتلفزيون غامرة . وتحت تأثير " إضاءات " التلفزيون تعطلت لغة الكلام عند بهية وأصبحت عيناها لا تفارقان الشاشة حتى نهاية الارسال ، بينما صِعتُ أنا عند الأصحاب . لأول مرة أدرك أن بهية لديها هذا الكم الهائل من احتياطي الدمع .. ففي ذات يوم ألفيتها تبكي بكاء شديدا ! مالك يا بهية ؟ لم تستطع الكلام وأشارت إلى التلفزيون ! كفكفي دموعك يا بهية ،، هذه لعبة لا تستحق كل هذه الدموع . ليه هوه إنته مالكش قلب ؟! جرى إيه يا بهية .. عايزاني أفتح مناحة في بيتي .. دنا لي قلب حطيته تحت الجزمة يا بهية ! كان التلفزيون في ذلك الوقت مقدور عليه ، حيث البث الأرضي والساعات محدودة .. لم أكن أتصور أن يأتي يوم يعلو سطح رأسي كل هذا الكم الهائل من المحطات الفضائية . أصبح اليوم جميع الجيران يملكون الأطباق الفضائية وكنت مُصِّرا على أن لا طبق يعلو طبق رأسي . لكن ضغوطات بهية على نافوخي كانت قوية تساندها رغبة الأولاد الذين يرون أنفسهم محرومين مما يتمتع به الآخرون ، فكانت المحطات المحترمة في نظرهم المدخل لتحقيق المأرب ! وتحت الضغط كان الصحن " الأسود " يعلو سطح بيتي الأبيض ليستقبل ما تبثه أقمار العرب ، وأصبح لدي أربعة تلفزيونات : تلفزيون ترابط عنده بهية لمتابعة مسلسلات العرب تلفزيون يرابط عنده الأولاد الصغار لمشاهدة أفلام الكرتون تلفزيون يرابط عنده الأولاد الذين يتابعون القنوات الرياضية والرابع إحتياط للعب البلاء ستيشن وكله شغال 24 ساعة ! وكل فريق معزول في غرفته الخاصة ! أدركت أخيرا أن هذه هي " صناعة الموت " موت الوقت وموت المشاعر والفكر والأخلاق الفاضلة .. إنها صناعة الفساد التي تغض عنها الطرف وزارات الإعلام ويمولها أصحاب الملايين من التجار الذين لا همَّ لهم إلا جني المزيد من الأرباح . إعلام منحط لا يخدم إلا الشهوانية . فإذا كان قتل الأنفس إرهابا فإن قتل الأخلاق الفاضلة لدى الشعوب إرهاب أيضا . وإذا كانت محاربة الإرهاب تعتمد على تجفيف المنابع من تمويل وعناصر وفكر وبيئة حاضنة ، فلا بد من اتباع ذات المنهج في محاربة هذا الفساد . وزارات الإعلام لا يمكن أن تقوم بالدور لوحدها ، فلا بد من تظافر جهود وزارات التجارة والتجار ، والعنصر الرئيس في المعادلة هو المشاهد المستهلك المستهدف ، ونحن نرى أن هذه المحطات تقتات على الإعلانات التجارية والاتصالات . نحن اليوم نعيش مرحلة " الإلهاء " المتعمَّد ، والكل يعلم أن وسائل الإعلام وبالأخص المحطات الفضائية لا تخدم مصالحنا ، فإما أن تكون فاسدة أو تافهة ( لا أستثني هنا المحطات الإسلامية فهي تدخل ضمن المحطات التافهة ) والأخطر أن تعمل بيننا لمصلحة من لا يريد بنا خيرا . العملية تحتاج إلى إرادة .. إرادة تحول كل هذا الفساد وهذه التفاهة إلى خير يتم من خلاله تغيير واقعنا البئيس الذي يتحكم فيه إبليس . والسلاآآآآآم منقووووووول |
|||
|
|
|
#2 (permalink) | |||
|
والله الحال الايام يبكي كل واحد كأنه عالم لحاله من الانعزال والوحده |
|||
|