هذه مقابلة نشرت على جريدة الرياض وارجو منكم الاطلاع
اعتبروا "مقاطعة" أوروبا خياراً أخيراً بعد نفاذ كافة الحلول
دعاة وأكاديميون سعوديون "يقرأون" دعوة المليك لـ"حوار الأديان"
تزامناً مع الدعوة التي أطلقها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، لعقد مؤتمر في الرياض، يجمع الأديان السماوية الثلاثة، في سبيل الاتفاق على ما يكفل صيانة الإنسانية من العبث بها، وما صاحب هذه الدعوة من ردود فعل دولية مؤيدة. قرأ دعاة وأكاديميون سعوديون في حديثهم إلى "الرياض" أبعاد ومعطيات دعوة المليك التاريخية، معتبرين إياها "دعوة قرآنية، يتطلع لنتائجها العالم بأسره". ورفضوا في الوقت نفسه، العمل بالمقاطعة الاقتصادية لأوروبا، كخيار أول "ما دامت فرص الحوار والنقاش قائمة"، واصفين "المقاطعة" بـ"الحل الأخير عند نفاذ كافة الوسائل المتاحة".
وقال رئيس قسم الدراسات الإسلامية والعربية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن الدكتور مسفر القحطاني: "نعيش اليوم مرحلة تواصل واتصال مع الأخر، لم يشهد لها التاريخ مثيلاً من قبل، ودعوة الملك عبدالله لحوار الأديان، تأتي في إطار هذا التواصل القوي، والذي جعل الطرف الأخر يعيش معنا داخل منازلنا بشكل دائم ومستمر ، ولا يمكن أن نعتبر تهميشه أو تجاهله أو القضاء عليه حلاً". وأضاف: "لا بد أن نقف معه موقف تسامح أو مصلحة أو اتفاق على حل وسط، المهم أن يكون هناك موقف، خصوصاً وأن حاجتنا للتحاور مع الغرب أمر قد نحتاجه أكثر من حاجتهم له".
وتابع: "الحوار هنا، ليس أن يدخلوا في الإسلام أو يعتنق المسلمون النصرانية، الحوار معناه أن نجلس ونستمع لبعضنا، ونتفاهم على أي مصلحة يمكن أن تحقق منافع الشعوب"، مشيراً إلى أن "مناداة الملك عبدالله لم تخرج عن هذا الإطار، لذا أستغرب من المتطرفين الذين يرون أن الحل في الصراع والحروب، ويغفلون العقلانية المتمثلة في التفاهم والحوار، ولعل الشعوب الأوروبية أكثر قابلية للحوار، فليس لدينا تعصب موروث من القدم تجاههم، ولم يستعمرونا، وخلافه من الأمور المثيرة للاحتقان، ومن هنا ينبغي مد جسور التواصل معهم".
واعتبر القحطاني المطالبة بمقاطعة المنتجات الأوروبية "خياراً متأخراً جداً، لا يجب العمل به إلا بعد انقطاع كل سبل الحوار والنقاش مع الآخرين"، طارحاً تساؤلاً هنا: "هل ستكون المقاطعة إيجابية أم سلبية"، موضحاً: "ربما تكون سلاحاً مؤثراً ولكن كحل أخير، فالغالبية من المجتمع الغربي تحترم الإسلام والمسلمين وتقدرهم، ولكن هذه الأكثرية صامتة، لكون الإعلام لديهم يخرج النشاز على حساب السائد، ومن هنا يجب ألا يكون مثل هؤلاء النشاز المتمثل في اليمين المتطرف هم من يصورونا لنا النظرة تجاههم، فنبدأ نوصف أوروبا بكاملها على أنها تسخر من الرسول صلى الله عليه وسلم وضد الإسلام والمسلمين".
وقال: "في الحقيقة أن من زار أو عاش في الغرب، وخصوصاً المنطقة الأوروبية يلحظ أنه مع وجود إرث تاريخي واستعمار وصراعات، إلا أن المجتمعات الغربية لا تحمل في غالبها أحقاداً أو عداءً تجاه المسلمين بخلاف اليمين المتطرف، والذي يمثل أقلية في تلك المجتمعات". وزاد: "لا يجب أن نعمم، فالتعميم دائماً يخالف الموضوعية ويدفع للسقوط في براثن النظرة الأحادية، ففي كل مجتمع عادة تيارات إما تنزح نحو اليمين أو اليسار إلى جانب خط الوسط، لذا نحن كمسلمين يفترض ألا نشحن شعوبنا في هذه العملية، ونصور الغرب جميعاً كأعداء، ونبدأ في خوض معركة ربما لا تكون متكافئة، ويمكن أن تدخل فيها مصالح متطرفة ينعكس تأثيرها على المسلمين في الغرب".
ولفت القحطاني إلى أن "قوة المال والفكر وحصانة الوعي، هي الأدوات التي ينبغي أن نستخدمها مع الغرب، لنتقابل على ساحة العلم وتكون قوتنا حضارية علمية تقنية، مع ما نملك من قيم وأخلاق وتاريخ".
ووصف رئيس الدراسات المدنية في كلية الملك فهد الأمنية، عضو مجمع الفقه الإسلامي، أستاذ الدراسات العليا في المعهد العالي للقضاء الدكتور محمد النجيمي، دعوة الملك عبدالله للحوار بين الأديان بـ"الدعوة المباركة المستمدة من القرآن الكريم"، مستشهداً بقوله تعالى: "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن". وقال: "الرسول صلى الله عليه وسلم حاور اليهود في المدينة، وكذلك وفود العرب الذين كانوا على الشرك، والأمة حتى يومنا هذا تقوم بالحوار، ومازلت أذكر الوفد الذي ذهب في السبعينيات للحوار مع بابا الفاتيكان، وكان من بين محاوريه الشيوخ ابن جبير ومحمد الحركان وعبدالعزيز المسند رحمهم الله". وأضاف: "الدعوة حوار ونقاش قد يقتنع الطرف الأخر من خلالها وقد لا يقتنع، ولكن يبقى هناك شيء اسمه التعايش السلمي، لأن الله تعالى ذكر أن الناس لا يمكن أن يكونوا على ملة واحدة، وسيبقون مختلفين إلى أن يشاء عزوجل، ولا إكراه في الدين، وستؤدي قضية التعايش بين الأديان إلى تعايش سلمي وسلام عالمي".
واعتبر النجيمي من يرفض هذا التعايش والسلم مع الغرب بأن "لديه خلل في تفكيره، وعليه أن يراجع معلوماته لأنها مغلوطة، فلدينا في الإسلام العهد والمعاهدة والذمة لغير المسلمين الذين يعيشون بين المسلمين، وهي أمور شرعت في الإسلام من أجل السلم والتعايش مع الآخرين". وزاد: "أساس علاقتنا في الإسلام مع الآخرين السلم لا الحرب، خصوصاً وأننا نريد أن نوصل شريعتنا وعقيدتنا عن طريق الحوار والدعوة، وإذا كان هذا الحوار يؤتي بنتيجة فلما نبدأ بالمقاطعة، والتي أرى أنها الخط الأخير"، موضحاً: "هناك تجار مسلمون وعرب سيتضررون من هذه المقاطعة وكذلك الجاليات الإسلامية في تلك البلاد، خصوصاً وأن غالبية الشعبين الدنماركي والهولندي ضد الإساءة للإسلام وللرسول صلى الله عليه وسلم، فلماذا نخسر الغالبية، ونحن نسعى لإيصال رسالتنا بمحبة وسلام".
وتابع: "لا بد من استنفاذ كافة الطرق المتاحة أولاً، فالمقاطعة يترتب عليها ضرر لأناس من عرب ومسلمين لا ناقة لهم ولا جمل، لذا يجب أن نستغل دعوة الملك عبدالله، ونجعل من أولويات حوارنا مع الغرب، أن نبين لهم بأن لدينا مبدأ قرآني إسلامي يمنع المساس بعقائد الآخرين، ونعمل معهم على إصدار قانون دولي يمنع التعرض للأديان والثقافات والاستهزاء بها، وأتوقع أن الكثير من الدول سترحب بهذا القانون".
من جهته، قال الداعية الإسلامي الدكتور علي المالكي: "دعوة خادم الحرمين الشريفين تأتي من باب التعايش مع المصالح الأخرى، ليعيش الطرف الأخر بحريته المحدودة التي لا تمس ثوابت الدين سواء داخل المملكة أو خارجها، أما التسامح فيجب أن يكون له ضابط، إذ لا يمكن التسامح مع شخص يسب العقيدة و ثوابت الدين، لذا فإن من أول الأمور المهمة في هذه الدعوة المباركة أن ندعو الغرب للإسلام، خصوصاً وأن الكثير من التغريبيين يسوقون كلمة التسامح لأهداف الغرب، ومن هنا يجب أن يُفهم أن هناك فرقاً بين التعايش والتسامح". وتابع: "المقصود كما فهمنا، عندما تحدث الملك عبدالله عن دعوة لحوار الأديان، هو التسامح بين الأديان بحيث نتعايش فيما ينبغي أن نتعايش فيه، وهو تعايش لمصلحة الوطن ولمصلحة البقاء وعدم إراقة الدماء ولمصلحة البيع والشراء ليستفيد الطرفان".
واعتبر المالكي بأن "المقاطعة ليست حلاً جذرياً، بقدر ما هي حل جزئي بسيط، حتى وإن عادت على الدنمارك وهولندا بشيء من الخسائر الاقتصادية، ولا يمكن أن تكون الحل الأول، خصوصاً وأن الكثير من التجار السعوديين قد يتعرضوا لخسائر مالية كبيرة، بعد أن وقعوا مع بعض الشركات الدنماركية عقوداً، ربما دفعوا من خلالها المليارات لشراء المواد الغذائية وإدخالها إلى السوق السعودي".
وقال: "نحن لا نستورد من الدنمارك المحرمات، بل نستورد الغذاء، فلماذا المقاطعة، حيث لاحظنا أن التلاعب بالعلامات التجارية وإدخال البضائع بطرق مختلفة قد ظهر نتيجة لذلك".
واقترح المالكي أن "تكلف فئة من المثقفين والدعاة والعلماء بالتصالح مع مسؤولي الدنمارك، من خلال زيارتهم والجلوس معهم ومناقشتهم حول أسباب الإساءة للرسول صلى الله عليه وسلم، وتبين لهم حقيقة الإسلام والمسلمين"، متمنياً أن "يضع الملك عبدالله لمشروع حوار الأديان لجنة مكونة من أفراد من جميع الأطراف، تخشى الله ولديها ولاء للوطن، لكي تتحرك بتوجيهات رسمية ومرجعية شرعية، دون أن يتخبط بعض أصحاب الأقلام في أركان الصحف والساحات، خصوصاً وأن التكفيريون والتغريبيون وجهان لعملة واحدة وهدفهم تشويه الإسلام بالحرية الزائفة والتشدد الزائف، وظهر منهم من يحاول استغلال هذه الدعوة الكريمة، وتوظيفها لنهجهم، فالتغريبيون مثلاً فرحوا بأن هناك مشروع دولة مدنية قادمة، وهم يسعون لمناقضة المجتمع الحالي، وخرج بعضهم على الفضائيات بدعوات لا تجر خيراً على الأمة".