لم تكن سناء قد بلغت ربيعها الثامن عشر عندما أبلغتها زوجة والدها بأن القرار قد اتخذ , ولا مجال للنقاش في عدم صيرورته , وهي تدرك جيداً أن ما تقرره زوجة أبيها غير قابل للطعن أبداً , فبدأت رحلة عذابها وبدأ معها عهد جديد من شقاء آخر أكثر بؤساً وايلاماً ,
فيوم الخميس القادم لها بالمرصاد , حيث سيأتي شريك والدها في التجارة _أبو خلدون _ ليخطبها , بل ليغتال منها صورة الرحمن التي ارتسمت فوق محياها
ويسحق عطرها الفتي تحت نزواته الهرمة , فهو بعمر والدها الذي يزيدها بأربعون عاماً ,
وها هي سناء تنتظر ساعة الصفر لاغتيال أحلامها , وما من أحد يسمع صراخها الدفين ,
فلم يبقى على تعليق مقصلة أحلامها الا ثلاثة أيام , فما الذي سينقذها من هذه البراثن؟
لقد كانت سناء شابة رائعة الجمال , تعشقها النظرات القادمة من كل الأنحاء ,
ولم يكن جمالها جسدي الانتماء فحسب , لكن روحها النقية كانت تسمو بناظرها الى علياء الصفاء والبراءة , وكأن ملاك الرحمة قد صبغ روحها بلون النقاء الوردي ,
ولكن زوجة أبيها لم تكن لتكترث بكل هذا , فهي والجشع توأمان , بل ان كل ما كان يعنيها في الأمر هو ذاك المبلغ الذي ستقبضه من شريك زوجها _أبو خلدون_ لأن هذه الصفقة لن تحتاج الى عناء كبير من فنون التجارة الرخيصة لتكسب منها الربح الوفير ,
وأمضت سناء يومين من أيامها الثلاثة , وأحداً لا يعرف ما يجول في خاطرها من طقوس الآلام , الا شخصاً واحداً كان لها فارساً لأحلامها في ليل عالمها الطويل ,
فقط صديقها أحمد كان يعرف كل شيء , فقد كانت تقابله بالصوت والكلمة من خلال الأنترنيت , رغم أنها لم تكن قد قابلته بعد , لأن الجغرافيا والعادات أقسى من صيرورة اللقاء , لكنها كانت تجد فيه ملاذها الوحيد في عالمها المتوحش , فكانت تتحدث معه
كلما سنحت لها الفرصة , وأما الآن وقد بدأ الحبل يلتف حول عنقها قسراً فمالذي سيفعله
أحمد ؟ وماذا سيفعل أمام هول هذا المصاب ؟ ... وها هو رقم روزنامته يشير الى قرب ولوج يوم سلبها المشؤوم , ..........فالامر لا يحتمل النقاش ولا الحوار ولم تعد تنفع لغة النحيب والتوصيف في هذا الخضم الأليم من معمعة الأوجاع ......,
فقد كان لديها يوماً واحداً متبقياً من عمر برائتها حين تكلم معها أحمد أخر حديث عبر الأنترنيت ليزف لها خبر لطالما راودها في الأحلام , فقد قرر السفر الى بلدها , ويخطفها من جور هذا الظلم , ولن أطيل هنا في التفاصيل لأن الرياح لم تجري بما تشتهي سفينتهما , حيث كان الموعد هو صباح يوم خميسها الأسود , في المطار وكان كل شيء قد تم اعداده لتسير الأمور على ما يرام , وفي ذلك الصباح أخبرت سناء زوجة أبيها بأنه عليها أن تذهب الى السوق لشراء بعض الحاجات الضرورية , وبعد أخذ ورد سمحت لها بالذهاب , ومن هناك استقلت سيارة أجرة لتقلها الى المطار , حيث بدأت قصة انتظار من نوع آخر , كانت عينيها تغور بين تفاصيل القادمين باحثة عن أوصاف أحمد التي كانت قد أتقنت تفاصيلها في آخر حديث بينهما , وهكذا مرت الساعات ولم يأت أحمد , وهي تعرف جيداً بأن هناك من ينتظر عودتها الى البيت , كما أنها تدرك بأن زوجة أبيها لن تترك وسيلة للبحث عنها كي تعيدها من جديد , فهي لم تكن معتادة على العناء الكبير في اتمام صفقاتها , ولكن عقارب الساعة كانت تدور غير عابئة بما يحصل وسيحصل , فانقضى النهار ولا تزال سناء تجلس على مقعد الانتظار وكأن القدر قد حكم عليها بألوان الانتظار المؤلمة , ومن يدري , فقد يكون أحمد صاحب أحد أدوار هذا الانتظار , وهكذا بدأت الشكوك تراود سناء وتأخذها الى غياهب الحسرة والندم , كيف غامرت بكل شيء لترى بعد ذلك بأنها عادت الى نقطة الصفر من باب آخر , ......وفجأة لملمت سناء أشياءها القليلة وخرجت وهي تنظر خلفها الى فسحة أملها الضائعة , ثم توقفت لبرهة أمام زحمة السير وبدأت تنظر الى السيارات العابرة بمن فيها ,ولسان حالها يقول : (كل أولئك البشر منشغلون بالوصول الا أنا ...فقد كتب علي أن لا أصل أبداً) .......................
وبسرعة البرق قذفت سناء بنفسها أمام احدى السيارات المسرعة لتتحول في لحظات الى كومة أشلاء تشير الى عنوان الشقاء , لقد رحلت سناء سحقاً وسحقت معها آلاف الأحلام التي رسمتها بأصابع التمرد على الظلم والقهر....ولكن ما حصل بعد ذلك بقليل هو أشد ايلاماً من هذا السحق الرهيب , فقد وصل أحمد , في الوقت الغير مناسب ,
وبعد أن بحث عن أوصاف رسمها في مخيلته لم يجد لها أثراً فدفعه الفضول ليخرج الى الخارج ليرى ما وراء ذلك الحشد الغفير من الناس هناك , وفجأة يقع نظره على أشلائها ولكنه لم يكن ليدرك أن تلك الأشلاء كانت منذ قليل حبيبته , غير أن الأصوات التي دقت طبلة أذنه أخبرته بذلك , فقد قام أحد رجال حفظ الأمن في المطار باخراج بطاقة هويتها من حقيبتها الصغيرة وأخذ يسأل الموجودين عمن يعرف شيئاً عن سناء بنت فلان .....
وفجأة يسقط أحمد على الأرض على ايقاع التعريف باسمها .....فبعد أن اجتاز كل تلك المسافات والتقاليد تزف له حاسة السمع بأسوأ مصاب عرفته من قبل كل الحواس ,
لقد رحلت سناء , ولم يتثنى لها ....حتى رؤية حقيقة لطالما كانت تجول في خاطرها سراب,انها حقيقة فارس أحلامها الذي لم تراه أبداً , لقد رحلت ....ليسجل التاريخ موتها تحت عنوان محلي مزيف المعاني ....
لكن عنوان رحيلها الحقيقي هو السلب والفقد تحت عين الشمس .