من رحمة الله عز وجل ببني البشر، أنه لم يتركهم لأنفسهم يتعلمون أمور دينهم، لما يعلمه سبحانه من عجزهم وقصورهم عن معرفة ذلك كاملاً، من دون هداية منه سبحانه وتعالى. وهذا العجز والقصور بسبب طبيعتهم التي خلقهم الله عز وجل عليها، والتي لا تصلح حياتهم دونها، فمن ذلك طبع النسيان والعجلة والغفلة وقوة الشهوة والهوى التي تناقض العقل، وأيضاً الإرادة والتصميم، وكذلك الأنانية وحب الذات، وغيرها من الطبائع والغرائز التي تعطي حياة الناس قيمتها وتميزها عن الآخرين.
ونحن نشاهد أن البشرية احتاجت آلاف السنين كي تبدأ إدراك نفسها، ولم تنته بعد، فما تزال علوم البشرية جمعاء تقف عاجزة عند كثير من خفايا النفس والعقل والجسد البشري أو الأمراض، فضلاً عن الإدراك التام لبقية الكائنات المحيطة بنا، من مختلف الجناس والأنواع، وكذلك ما تزال أرضنا التي تحيط بها آلاف الأقمار الصناعية فيها بقاع شاسعة لا نعرفها.
ولذلك بيّن لنا الله عز وجل الطريقة الصحيحة للرجوع إلى نعيم السماء مرة أخرى، في مطلع كتابه "القرآن العظيم" في قصة هبوط أبو البشر آدم عليه السلام من الجنة إلى الأرض فقال تعالى "فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هدايَ فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون" البقرة 38. فاتباع هداية الله عز وجل، التي يرسلها عبر رسله وأنبيائه، بإنزال الكتب والرسالات، هو الطريقة الوحيدة للعودة إلى الجنة والتخلص من الشقاء الذي نعانيه. ومن رحمة الله عز وجل أن جعل الإسلام الرسالة الخاتمة للبشرية، ميسرة سهلة لمن أراد الهداية. ومن دلائل يسر الإسلام أن الأعرابي كان يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يلزمه سوى بضع دقائق لتعلم أحكام الإسلام. وما يزال العاملون في مجال الدعوة الإسلامية يشاهدون ذلك، فكثير ممن يدخلون الإسلام اليوم لا يحتاجون لكثير وقت وجهد، وإحصائيات توسع الإسلام في الغرب شاهدة على ذلك رغم كل حملات التشويه والطعن.
ومن نواحي يسر الإسلام وضوح مبادئه وأحكامه وعدم الحاجة لوسيط بين المسلم وبين كلام الله وعز وجل وكلام رسوله، كما حدث في حركة الإصلاح البروتستانتي، وهذا لا يعنى عدم وجود قواعد وضوابط لغوية أو أصولية معتبرة تحكم فهمهما. فالقرآن الكريم وصفه الله عز وجل بقوله "بلسان عربي مبين" فهو جارٍ على وفق معهود العرب في لغتهم، وفوق هذا فهو في غاية البيان ليحصل به الهداية التامة. أما السنة النبوية فقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه "أوتي جوامع الكلم" ليكون كلامه صلى الله عليه وسلم سهلاً ميسراً للفهم.
لقد كان من أسباب تأخر المسلمين عن رتبة القيادة والزعامة للدنيا، وضع حواجز بين المسلم وفهم كتاب الله عز وجل، وكلام رسوله إما بالتأويل –وأخطره التأويل الباطني– أو بغلق باب الاجتهاد والتعصب لأقوال الرجال والعلماء والمذاهب، أو شيوع الفكر الصوفي الذي اخترع فكرة العلم اللدني –وهو إدعائهم حصولهم على العلم مباشرة من الله عز وجل دون وساطة!- وعلم الخرق بدلاً من العلم الحقيقي المأخوذ عن العلماء مشافهة وكتابة، مما ولد أزمات فكرية وعقلية خطيرة، نتج عنها شيوع عقلية التقليد والتواكل وتعقيد الأمور، كما في كتب المتون الفقهية المتأخرة التي أصبحت طلاسم تحتاج من يفك "شيفرتها" فتولدت كتب الشروح والشروح على الشروح، والعودة مرة أخرى للتهذيب والاختصار من دون أي معالجة إبداعية واجتهادية لوقائع العصر!
ولذلك إن حث المسلمين اليوم على التواصل مع كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه هو من الأبواب التي تمنح المسلم الفاعلية والإيجابية، وتحصنه من الوقوع في المناهج الفاسدة التي تسعى لتمييع الإسلام أو التي تتبنى منظومة العنف والتطرف والإرهاب.
ومن أمثلة هذا الوضوح واليسر في فهم الإسلام والتي تهدم منظومتي التمييع والعنف ما يلي:
أولاً- هدم منظومة تمييع الدين:
1- في مسألة تحليل الربا: قال الله تعالى "وأحل الله البيع وحرم الربا" البقرة 275.
2- في مسألة رفض الحجاب: قال تعالى "وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بنى أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون" النور 31.
3- في مسألة عزل السياسة والحكم عن الإسلام: قال تعالى "وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً" المائدة 48.
4- في مسألة زعم المساواة بين الجنسين: قال تعالى "الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم" النساء 34.
ثانياً: هدم منظومة العنف والتطرف:
1- خطورة التكفير: قال النبي صلى الله عليه وسلم "إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما فإن كان كما قال وإلا رجعت إليه". متفق عليه.
2- حكم غير المسلمين غير المحاربين لنا: قال تعالى "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين" الممتحنة 8.
3- حرمة الغدر بأهل الذمة أو الأمان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قتل نفساً معاهداً لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً". رواه البخاري .
4- حرمة قتل النساء والأطفال والرهبان والمرضى: قال تعالى "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا" البقرة 190.
لذلك، فإن العودة للتواصل مع الهداية الربانية، هو الضمان للحصول على السعادة والنجاة في الدين والدنيا.