[bor=999999]
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
السوفسطائية Sophists
الإنسان معيار كل شيء
السوفسطائية “sophism“، ومعناها الأصلي: التميّز بالحذق والمهارة في الأمور، ولكنها أخذت بعد ذلك تدل على القول المموّه أو القياس الخدّاع. وكانت تطلق على تلك الحركة الفكرية التي انتشرت في بلاد اليونان عامة، وفي مدينة أثينا خاصة، إبّان السنوات الخمسين الأخيرة من القرن الخامس قبل ميلاد المسيح. وكان من زعمائها البارزين “بروتاجوراس” و “جورجياس”.وفي عصر السوفسطائية، انتقل مركز التفكير الفلسفي إلى الإنسان، وأصبح هو محور التساؤلات والمناقشات. ولقد كان البحث في سلوك الإنسان وطبيعته، متروكاً لاهتمام الشعراء والأدباء. ويبدو أن الفلسفة لم تجد أن البحث في الأخلاق الإنسانية هو الهدف والغاية الأصلية من وجودها فقد كانت تهتم بدراسة الظواهر الطبيعية في الكون، حتى تغيرت الأوضاع السياسية في البلاد، ونشبت الحروب الدامية بين اليونان والفرس، تلك الحروب التي استمرت من العام 490 إلى 450 ق.م. ثم قامت الحرب بين أثينا وإسبارطة في ذلك الوقت، واستمرت 27 عاماً، وتزعزع الحكم الديمقراطي الأثيني بعد هزيمة أثينا أمام اسبارطة.وظهرت طبقة من الأرستقراطيين الذين لا يخدمون إلا مصالحهم الشخصية، وأراد الشعب أن يستعيد حقوقه وحريته، ولذلك أصبح الإنسان محور عناية المفكرين والفلاسفة.
ولما أصبحت تلك الجماعة السوفسطائية تزدري البحث في الميتافيزيقيا الخالصة، وتنفر من النظر في طبائع الأشياء وأصولها الأولى، ويعنيها تدبير المدينة أكثر مما يعنيها النظر العقلي الصرف، فقد أخذ السوفسطائيون يجوبون البلاد اليونانية ملتمسين التلامذة والمستمعين، وينتقلون من مدينة إلى أخرى، فيلقون على الناس، نظير أجور معلومة، دروساً في الحكمة والسياسة والفصاحة، ويعلمونهم كيف يتوصلون إلى النجاح، وكيف ينصرون أو ينقضون أي رأي كان، من غير مراعاة لحق أو عدل.ويرجع منهج السوفسطائيين إلى المناظرة والجدل، ومعارضة الرأي بالرأي، ومقارعة الحجة بالحجة، ولذلك كان سبيل السوفسطائي في دروسه، إما أن يُلقي خطبة صافية، وإما أن يُدلي باعتراضات على آراء غيره، أو يوجّه الأسئلة والاستجوابات إلى تلاميذه ومستمعيه. وكثيراً ما يُلقي السوفسطائيون الخطب الحافلة، التي هي في منزلة نماذج لما يستطيعون القيام بتعليمه في شتى الأغراض والموضوعات، فتراهم يخوضون تارة في مسألة من المسائل العامة، فلسفية كانت أو سياسية، وتارة يمتدحون أهل مدينة ما، أو يرثون أحد العظماء.
وقد يتناولون موضوعات عادية أو تافهة فيخطبون مثلاً في مدح البراغيث وما إلى ذلك. وقد تناول السوفسطائيون كثيراً من الموضوعات التي اختلف فيها نظر الفلاسفة، كالخير والشر والحسن والقبح.وكان السوفسطائيون ينشدون ثقافة إنسانية جديدة، تجعل الإنسان مقياساً لجميع الأشياء، كما قال “بروتاجوراس”، فذهبوا إلى أن ما رآه كل واحد من الناس موجوداً فهو عنده موجود، وما رآه معدوماً فهو بالقياس إليه معدوم، ولا يتعدى هذا الحكم إلى غيره. ومعنى هذا أنهم “ينكرون حقائق الأشياء، ويزعمون أنه لا توجد حقائق متمايزة، فضلاً على اتصافها بالوجود.. بل كلها أوهام لا أصل لها”.ويقول بروتاجوراس عن الآلهة: “أما الآلهة فليس في وسعي أن أعلم أموجودون هم أم غير موجودين…تحول دون علمي بذلك موانع كثيرة.. قصر العمر، وغموض الموضوع”.
ولبروتاجوراس عبارة ذائعة الصيت، تناقلها عنه المفكرون، وهي أن “الإنسان هو معيار كل شيء”.ويمكن تلخيص أهم آراء السوفسطائيين في ما يأتي:1
- المعرفة:- هي المعرفة الحسية التي تأتينا عن طريق الإحساسات.
2- المعرفة الحسية ذاتية وليست موضوعية.
3- الإحساس لا الفكر هو معيار الوجود.4
- الإنسان هو معيار كل شيء في مجال المعرفة والحقيقة.
5- سلوك الإنسان نابع من الطبيعة الإنسانية.
6- الإنسان يسعى بطبيعته إلى اللذة.
7- الإنسان لا يفعل إلا ما يكون نافعاً له.
8- المنفعة الشخصية هي التي تحدد قيمة الأشياء.
وبالإجمال فإن السوفسطائيين لم يكونوا فلاسفة بالمعنى الدقيق للكلمة، فهم لم يتخصصوا في مشكلات الفلسفة الكبرى، كأصل الحياة والوجود والحقيقة، وكانت نزعاتهم “عملية” وهم يُعلّمون أي موضوع مهما كان، ويُكسبون الآخرين القدرة على الجدال لمواجهة أية قضية تثار، ولذلك كانوا يركزون طاقاتهم على تعلّم البلاغة والخطابة.
وفي العصر الحديث :
تلقف أصحاب المذهب " البراجماتي " هذه الفلسفة ؛ لأنها تناسب مذهبهم النفعي المصلحي المتلون :
- ( ليس من شك لدى أحد الآن أن بروتاجوراس هو الجد الأول للبراجماتيين المعاصرين؛ سواء على المستوى الفلسفي، أو على المستوى الحياتي؛ إذ لا يمكن فهم أقوال هؤلاء البراجماتيين معزولة عن آراء جدهم الأكبر ، فحينما يقول وليم جميس: "إن الحقيقي ليس سوى النافع الموافق المطلوب في سبيل تفكيرنا تماماً، كما أن الصواب ليس سوى الموافق النافع المطلوب في سبيل مسلكنا" و"أن المطلق ليس صحيحاً على أي نحو" . فهل يمكن أن نشك لحظة في أنه وأقرانه يمثلون بروتاغوراس العصر الحالي؟! لقد كان شيللر –وهو أحد كبار الفلاسفة البراجماتيين- على حق حينما كتب كتاب " why protagoras not plato معلناً أن بروتاغوراس هو جدهم الأول .................
- (إن المذهب البراجماتي حين يقرر أن مقياس صحة الأفكار يتوقف على نتائجها، فهو بذلك يجعل الحقيقة نسبية غير ثابتة، أي تتغير وفقاً للظروف
أقوال علماء الإسلام في السوفسطائية :
لقد عرف علماء الإسلام خطورة هذه الفكرة السفسطائية التي تخلط الحق بالباطل ، وتُشكك المسلمين في دينهم ، وتساوي بينه وبين الديانات المحرفة والباطلة بدعوى التماس الحقيقة ! ، لاسيما وهناك من المنحرفين من يُغذي هذه الفكرة وينشرها ؛ وعلى رأسهم غلاة المتصوفة أهل وحدة الوجود ، ممن يقول قائلهم ؛ وهو ابن عربي : ( فإياك أن تتقيد بعقد مخصوص وتكفر بما سواه فيفوتك خير كثير ، بل يفوتك الأمر على ما هو عليه ، فكن في نفسك هيولى لصور المعتقدات كلها ؛ فإن الله تعالى أوسع وأعظم من أن يحصره عقد دون عقد) . ( ابن عربي ، سميح الزين ، ص 101).
لقد قسم علماء الإسلام السوفسطائيين - كما يقول الشيخ أحمد شاهين - ثلاثة أقسام : ( العِندية ، والعنادية ، واللاأدرية : فالعندية ترى أن حقائق الأشياء تابعة لعقائد المؤمنين بها ؛ لأنهم أقيسة الحقائق . والعنادية تجزم بأن لاحقائق في الكون ؛ لا في ذاتها ولابالقياس إلى المؤمنين بها . وأما اللاأدرية فهي التي تتوقف عن الحكم في كل شيئ ؛ فهي لا تجزم بوجود ولا بعدم ) .
4- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : ( حكي عن بعض السفسطائية أنه جعل جميع العقائد هي المؤثرة في الاعتقادات، ولم يجعل للأشياء حقائق ثابتة في نفسها يوافقها الاعتقاد تارة ويخالفها أخرى، بل جعل الحق في كل شيء ما اعتقده المعتقد، وجعل الحقائق تابعة للعقائد. وهذا القول على إطلاقه وعمومه لا يقوله عاقل سليم العقل ) . (الفتاوى 19/ 135) .
وقال عنه - أيضًا - : ( هذا المذهب أوله سفسطة وآخره زندقة؛ يعني: أن السفسطة جعل الحقائق تتبع العقائد كما قدمناه ... وأما كون آخره زندقة فلأنه يرفع الأمر والنهي والإيجاب والتحريم والوعيد في هذه الأحكام، ويبقى الإنسان إن شاء أن يوجب وإن شاء أن يحرم، وتستوي الاعتقادات والأفعال؛ وهذا كفر وزندقة ) .(الفتاوى 19/144 -145).
ودي وتقديري[/bor]